الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

320

مختصر الامثل

هذه الآية تأكيد لمفاد الآية السابقة ، فيكون المعنى هو : أنّ العفو أو المجازاة ليس بيد النبي ، بل هو للَّه‌الذي بيده كل ما في السماوات وكل ما في الأرض ، فهو الحاكم المطلق لأنّه هو الخالق ، فله الملك وله التدبير ، وعلى هذا الأساس فإنّ له أن يغفر لمن يشاء من المذنبين ، أو يعذّب ، حسب ما تقتضيه الحكمة ، لأنّ مشيئته تطابق الحكمة . ثم إنّه سبحانه يختم الآية بقوله : « وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ » . تنبيهاً إلى أنّه وإن كان شديد العذاب ، إلّاأنّ رحمته سبقت غضبه ، فهو غفور رحيم قبل أن يكون شديد العقاب والعذاب . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 130 ) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ( 131 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 132 ) هذه الآيات الثلاث ، والآيات الست اللاحقة بها تحتوي على سلسلة من البرامج الاقتصادية ، والاجتماعية ، والتربوية ، ثم يستأنف القرآن بعد هذه الآيات التسع ، حديثه حول معركة « أحد » ووقائعها . إنّنا نعلم أيضاً أنّ المجتمع العربي في العهد الجاهلي كان مصاباً - بشدة - بداء الربا ، حيث كانت الساحة العربية ( وخاصة مكة ) مسرحاً للمرابين ، وقد كان هذا الأمر مبعثاً للكثير من المآسي الاجتماعية ، ولهذا استخدم القرآن في تحريم هذه الفعلة النكراء أسلوب المراحل ، فحرم الربا في مراحل أربع : 1 - يكتفي في الآية ( 39 ) من سورة الروم بتوجيه نصح أخلاقي حول الربا . 2 - يشير في الآية ( 161 ) من سورة النساء - ضمن انتقاد عادات اليهود وتقاليدهم الخاطئة الفاسدة - إلى الربا كعادة سيئة من تلك العادات . 3 - يذكر في الآية الحاضرة حكم التحريم بصراحة ، ولكنّه يشير إلى نوع واحد من أنواع الربا ، وهو النوع الشديد والفاحش منه فقط . 4 - وأخيراً أعلن في الآيات ( 275 - 279 ) من سورة البقرة عن المنع الشامل والشديد عن جميع أنواع الربا ، واعتباره بمنزلة إعلان الحرب على اللَّه سبحانه . قلنا إنّ الآية الحاضرة إشارة إلى الربا الفاحش معبرة عن ذلك بقوله : « أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً » .